ابن أبي العز الحنفي

336

شرح العقيدة الطحاوية

لكن المخبر ، وإن جزم بصدق المخبر ، فقد لا يتصور [ المخبر به نفسه ، كما يتصوره ] إذا عاينه ، كما قال إبراهيم الخليل صلوات اللّه على نبينا محمد وعليه : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى . قالَ : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ؟ قالَ : بَلى . وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي البقرة : 260 . وأيضا : فمن وجب عليه الحج والزكاة مثلا ، يجب عليه [ من ] الإيمان أن يعلم ما أمر به ، ويؤمن بأن اللّه أوجب عليه ما لا يجب على غيره [ الإيمان به ] إلا مجملا ، وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصل . وكذلك الرجل أول ما يسلم ، إنما يجب عليه الإقرار المجمل ، ثم إذا جاء وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها . ويؤديها ، فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الإيمان . ولا شك أن من قام بقلبه التصديق الجازم ، الذي لا يقوى على معارضته شهوة ولا شبهة - : لا تقع معه معصية ، ولولا ما حصل له من الشهوة والشبهة أو إحداهما لما عصى ، بل يشتغل قلبه ذلك الوقت بما يواقعه من المعصية ، فيغيب عنه التصديق والوعيد فيعصي . ولهذا - واللّه أعلم - قال صلى اللّه عليه وسلّم : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » « 402 » ، الحديث . فهو حين يزني يغيب عنه تصديقه بحرمة الزنا ، وإن بقي أصل التصديق في قلبه ، ثم يعاوده . فإن المتقين كما وصفهم اللّه بقوله : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ الأعراف : 201 . قال ليث عن مجاهد : هو الرجل يهم بالذنب فيذكر اللّه فيدعه . والشهوة والغضب مبدأ السيئات ، [ فإذا أبصر رجع . ثم قال تعالى : وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ الأعراف : 202 ، أي : وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي ثم لا يقصرون . قال ابن عباس : لا الإنس تقصر عن السيئات ] ، ولا الشياطين تمسك عنهم . فإذا لم يبصر بقي قلبه في عمى ، والشيطان يمده في غيّه ، وإن كان التصديق في قلبه لم يكذب ، فذلك النور والإبصار ، وتلك الخشية والخوف تخرج من قلبه . وهذا كما أن الإنسان يغمض عينه فلا يرى ، وإن لم يكن أعمى ، فكذلك القلب ، بما يغشاه من رين الذنوب ، لا يبصر الحق وإن لم يكن أعمى

--> ( 402 ) متفق عليه وقد مضى الحديث ( برقم 373 ) .